مقالات مختارة

إيران تنسج الظل: هدنة مشروطة على إيقاع 21 موجة صاروخية

شارك الخبر

بقلم: أشرف عبد الخالق
تشهد منطقة الشرق الأوسط إحدى أخطر محطاتها منذ عقود، حيث انتقلت المواجهة التقليدية بين إيران وإسرائيل من حروب الظل إلى اشتباك مباشر متعدد الأبعاد، بلغ ذروته خلال اثني عشر يومًا من تبادل ناري كثيف، قبل أن تُرسم ملامح تهدئة مشروطة برعاية قطرية. ورغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، فإن المؤشرات الميدانية والسياسية لا توحي بتراجع دائم، بل تُمهد لتحوّل أعمق في قواعد الاشتباك الإقليمي.

جذور التصعيد: من الضربات الجراحية إلى الانفجار الكبير

التصعيد الأخير لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكمات سبقتها ضربات إسرائيلية دقيقة استهدفت بنى تحتية نووية في مواقع مثل “نطنز”، “فوردو”، و”أصفهان”. كان الرد الإيراني على مستوى غير مسبوق: أكثر من 21 موجة من الصواريخ والمسيّرات، استهدفت العمق الإسرائيلي وقواعد أميركية في الخليج، في حدث يُعد الأعنف منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948، ويعكس تحوّلًا في العقيدة الإيرانية من الردع الصامت إلى الردع المعلن.

مفاجأة قطرية: عندما وصل الحريق إلى العديد
في نقطة تحوّل بالغة الحساسية، استهدفت طهران قاعدة العديد الأميركية في قطر بسبعة صواريخ باليستية. ستة منها تم اعتراضها، فيما انفجر السابع قرب القاعدة، من دون تسجيل خسائر بشرية. لكن الحدث بحد ذاته هزّ التوازنات، ودفع الدوحة إلى التحرك دبلوماسيًا لاحتواء الموقف، ما أفضى إلى إطلاق مسار تفاوضي أدى إلى تهدئة مشروطة، كُتبت بالحبر القطري على ورقة نارية.

ميزان الردع: بين تكنولوجيا الهجوم وهشاشة الدفاع

الترسانة الإيرانية:
استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى مثل “قيام” و”ذو الفقار” بدقة محسّنة.
تفعيل واسع لمسيّرات “شاهد 136” و”شاهد 238″، التي اخترقت العمق الإسرائيلي رغم الدفاعات.
نجاح محدود في إصابة أهداف عسكرية ومدنية، ما عزز صورة القوة الإيرانية داخليًا وخارجيًا.

الدفاعات الإسرائيلية:
أداء متفاوت لمنظومات “القبة الحديدية”، “حيتس”، و”مقلاع داوود”، خاصة أمام زخم المسيّرات.
تدخل منظومات أميركية متقدمة (THAAD وPatriot) من قواعد في الخليج، ما كشف اعتماد تل أبيب على الدعم الأميركي الفعّال كركيزة لبقاء ميزان الردع متماسكًا.

معركة الوعي: من الميدان إلى الإعلام
شهد هذا التصعيد حضورًا غير مسبوق للجبهة الإعلامية. إسرائيل نشرت مقاطع تُظهر آثار القصف على مستوطناتها لشدّ عصب الداخل وكسب الدعم الدولي. في المقابل، بثت طهران مشاهد لصواريخ تُطلق من أعماق الأنفاق، في محاولة لترسيخ صورة إيران القادرة على خوض حرب طويلة الأمد من تحت الأرض وفوقها.

الملف النووي: الحصن المحصّن
رغم استهداف منشآت حيوية، كشفت صور الأقمار الاصطناعية أن طهران كانت قد أخلت مواقعها النووية الحساسة مسبقًا، وطمست مداخل منشآت مثل “نطنز” و”فوردو”. محطة “بوشهر” بقيت خارج دائرة النيران، على الأرجح بسبب الحماية الروسية والمراقبة الدولية، ما يعكس إدراك طهران لأهمية حفظ أوراقها النووية للمراحل اللاحقة.

تحولات إقليمية: بين الحياد النشط والدور المُضمر
•قطر: استطاعت توظيف موقعها كدولة ذات علاقات متوازنة لإطلاق مسار التهدئة.
•الولايات المتحدة: حافظت على سياسة “الردع الصامت”، مكتفية باستخدام قواعدها وخطوطها الحمراء دون انخراط مباشر.
•روسيا: تابعت التطورات بدقة، وسعت لتوازن لا يُخالف مصالحها مع طهران وتل أبيب.
•عُمان: استعادت دورها كقناة خلفية للوساطة الصامتة.
•الحوثيون والحشد الشعبي: ورقتان لم تُحرقا بعد، لكنهّما جاهزتان للّعب متى تطلّب المسرح.

الجبهة البحرية: مضيق هرمز على فوهة بركان
عادت التهديدات بإغلاق مضيق هرمز إلى الطاولة البرلمانية في طهران، ما اعتُبر رسالة مباشرة للأسواق العالمية. بالتوازي، تصاعد التوتر في البحر الأحمر مع تهديدات حوثية للملاحة. ورغم بقاء هذه التهديدات تحت السيطرة، إلا أن السيناريوهات تُشير إلى قابلية البحر ليكون ساحة صدام مقبلة.

الجبهة الداخلية الإيرانية: الأمن القومي في مرمى القصف
استهداف إسرائيل لمواقع داخل إيران يُحتمل أنها تضم معارضين سياسيين، يشير إلى تداخل البُعد الأمني الداخلي بالصراع الخارجي. كما أن تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حول تغيير النظام، وإن جاءت خارج السياق الرسمي، إلا أنها تُفهم في طهران كإنذار استراتيجي لا يُستهان به.

لبنان: الجبهة المعلّقة
رغم التصريحات المتبادلة، لم تُفتح الجبهة اللبنانية. حافظ “حزب الله” على جاهزيته، بينما واصلت إسرائيل ضربات وقائية لمواقع جنوبية. يعيش لبنان تحت ضغط نفسي وعسكري مرتفع، في انتظار قرار لم يُتخذ بعد، لكن احتمالات انفجار الجبهة تظل قائمة ضمن معادلة “الردع بالتلويح”.

استنتاج استراتيجي: ما بعد الهدوء
الهدنة الحالية ليست نهاية التصعيد، بل فصل من فصوله. الأرجح أننا أمام مرحلة جديدة تتبلور فيها معادلات ردع محدثة، تتسم بما يلي:

إيران تختبر أنظمة متطورة بهدوء، وتحفر قواعد اشتباك مستقبلية على نار هادئة.
إسرائيل تُكابد لإعادة ضبط منظومتها الدفاعية وتثبيت صورة التفوق التي تآكلت.

الولايات المتحدة تُراهن على تقنيات السيطرة غير المباشرة، وتتحاشى الاستنزاف.
البحر أصبح المسرح البديل، والفضاء الإلكتروني بوابة التلاعب الأكبر.

الشرق الأوسط لم يعُد مجرد ساحة اشتباك تقليدي، بل تحوّل إلى مختبر حروب هجينة، تتداخل فيه المسيّرات، والهجمات السيبرانية، والعمليات النفسية، في سياق معقّد تفرضه قوى متنافسة ومصالح متشابكة.

حدث أونلاين

“حدث اونلاين” موقع إخباري لبناني مستقل, يعنى بنشر الاخبار اللبنانية والعربية والدولية من منظور لبناني- عربي. وهو عبارة عن منصة إخبارية تقدم خدماتها عبر موقعها الإلكتروني ومعظم منصات التواصل الاجتماعي بسرعة وموضوعية وحيادية.

Hadath Whatsapp Group

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى